لأحكام التجارية القوية للاتحاد الأوروبي حول الملكية الفكرية تعتبر تهديدا على نفاذ البلدان الفقيرة إلى الأدوية

Print This Post Print This Post

ابروكسل- إن الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لإدراج أحكام حول براءات المستحضرات الصيدلانية في سلسلة من اتفاقات التجارة الحرة التي يتفاوض حولها قد تشكل تهديدا على إمكانية الحصول على الأدوية في البلدان النامية، على حد قول الناشطين في مجال الصحة العامة على الصعيد العالمي.

واقترح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي، كجزء من المحادثات التجارية التي يجريها الاتحاد مع كل من بيرو وكولومبيا والهند ومجموعة إقليمية في جنوب شرق آسيا، أن تحظى الشركات المنتجة للأدوية بنظام قوي للملكية الفكرية. وستُمنع الهيئات التنظيمية الوطنية في البلدان المعنية، لفترات طويلة، من استخدام البيانات التي توفرها الشركات التي تملك براءات الأدوية للتصريح بصيغ غير مسجلة للأدوية.
وفي ما يخص كولومبيا وبيرو، سيتم تطبيق هذه “البيانات الحصرية” لمدة تبلغ 11 سنة، وفقا لتوصيات اللجنة الأوروبية.
وأفاد السيد جرمان هولغوين، مدير المؤسسة الكولومبية “ميسيون سالود” (Misión Salud)، أن هذا الحكم “سيخلف آثارا مدمرة على إمكانية الحصول على الأدوية وعلى الصحة العامة على وجه العموم في منطقتنا”.

وتنبأ هولغوين بأنه إذا تم إنفاذ المقترح كجزء من اتفاق تجارة حرة، فإن ذلك سيقلل بدرجة كبيرة من إمكانية توفير العقاقير بأسعار معقولة لبلدان المنطقة الآندية. ولما كان متوسط سعر العقاقير غير المسجلة أقل بأربع مرات من سعر العقاقير التي تحمل أسماء تجارية وفي بعض الأحيان 35 مرة أقل من هذه العقاقير. وحذر هولغوين بأن أي إجراء يرمي إلى الحد من توافر هذه العقاقير ستكون له “عواقب رهيبة” في منطقة تفشى فيها الفقر.

وأضاف هولغوين “أن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وبلداننا قد يساوي قدرا كبيرا من المعاناة وفقدان عدد كبير من الأرواح البشرية”. ومضى يقول “فلا نخطئ في ذلك لأن المشكلة خطيرة إلى هذا الحد ولم نكن نتوقع مثل هذه المعاملة البشعة والمهينة من قبل اللجنة الأوروبية”.

ويرى هولغوين أن اللجنة الأوروبية تسعى إلى وضع معايير حول الملكية الفكرية أكثر صرامة من المعايير التي كانت الولايات المتحدة ترغب في إدراجها في اتفاقات التجارة الحرة التي كانت تسعى إلى إبرامها مع بلدان أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة. وتنبأت دراسات أجريت في كولومبيا عام 2007 بأن النهج الذي يفضله المتفاوضون الأمريكان حول التجارة قد يزيد في أسعار الأدوية بنسبة 46 في المائة على الأقل ويؤدي إلى زيادة تبلغ مليار دولار في الإنفاق على الصحة العامة في كولومبيا.

ويفيد التحليل المفصل لمقترحات اللجنة الأوروبية بأنها تتعدى الاتفاق المتعلق بجوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (تريبس).
ولاحظ خافيير سوبا، من جامعة بومبيو فاربا في برشلونة، وهو كاتب التحليل أن اتفاق تريبس يتيح للحكومات الوطنية مجالا أكبر لاتخاذ قرار حول كيفية تطبيق قواعد الملكية الفكرية على الأدوية. وعلى عكس ذلك، فإن مقترحات اللجنة الأوروبية تدعو لوضع “إطار صارم ودقيق للغاية للتدابير والإجراءات التي يجب أن تعتمدها الدول وتنفذها في ما يتعلق بالملكية الفكرية”، على حد قول سوبا.

كما أثار سوبا القلق بشأن الكيفية التي يمكن بها أن تصبح تدابير احتجاز الأدوية من قبل السلطات الجمركية أكثر تواترا نتيجة لاستراتيجيه الاتحاد الأوروبي المتمثلة في إدراج فصول حول الملكية الفكرية في اتفاقات التجارة الحرة التي يبرمها مع البلدان عبر العالم.

ووقع هذا الاحتجاز الشهر الماضي عند ما قامت السلطات في ميناء روتردام بتجميد شحنة من اللوسارتان، وهو علاج لارتفاع ضغط الدم، موجهة من الهند إلى البرازيل. وعلى الرغم من أن اللوسارتان تعد من العقاقير الشرعية غير المسجلة، فقد تم احتجازها بعد أن ادعت شركة لم يذكر اسمها ملكية براءة تشملها في هولندا.

وأفاد سوبا بأن مشروع اتفاق التجارة الحرة الذي يناقشه المسؤولون في الاتحاد الأوروبي مع كل من كولومبيا وبيرو سيمكن الشركات المنتجة للمستحضرات الصيدلانية من إعاقة نقل الأدوية غير المسجلة في عدد كبير من الحالات. وقال إن الاتحاد الأوروبي يسعى، مرة أخرى، إلى ضمان سلطات إضافية لاتفاق تريبس الذي يقيد بشكل كبير استخدام تدابير احتجاز الأدوية المزيفة وليس الأدوية غير المسجلة.

وقال سوبا أثناء اجتماع عقد في البرلمان الأوروبي في 17 فبراير/شباط “إن الاقتراح الذي تقدم به الاتحاد الأوروبي لمجموعة بلدان المنطقة الآندية يمكِّن أصحاب الحقوق من تجميد استيراد الأدوية المشتبه في أنها تتعدى على حقوق الملكية الفكرية وتصديرها ودخولها وخروجها في الإقليم الجمركي” وأكد “أن ذلك يمثل توسيعا هائلا للتدابير المطلوبة ويخول سلطة ضخمة لأصحاب الحقوق الذين سيتمكنون من تجميد السلع المنافسة بحجة التعدي المزعوم على حق من حقوق الملكية الفكرية”.

وتم استهلال محادثات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وكل من كولومبيا وبيرو في عام 2007. أما بوليفيا وإكوادور، وهما بلدان آخران من مجموعة بلدان المنطقة الآندية، فتشاركان أصلا في المحادثات. إلا أن إكوادور أعلنت في أواخر عام 2008 أنها ستستمر في المفاوضة مع كولومبيا وبيرو فقط، بعد أن أعربت حكومتها المتعاطفة مع اليسار انزعاجها بالتدابير التي تدعو اللجنة الأوروبية إلى اتخاذها.
وأعلن السيد إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، أن قرار الاتحاد الأوروبي سيساهم في إضعاف الاندماج الإقليمي ضمن مجموعة بلدان المنطقة الآندية. وقال موراليس، في رسالة بعث بها الشهر الماضي إلى اللجنة الأوروبية، إن بوليفيا تفضل إبرام اتفاق تجاري أقل تكلفة “لا يفرض حدودا” على حقنا في تحديد سياساتنا الوطنية حول قضايا أكثر أهمية مثل الاستثمار والخدمات والملكية الفكرية والمشتريات العامة”، بدلا من تحرير التجارة بشكل كامل مع الاتحاد الأوروبي.

ونفى السيد سيرج لوغال، وهو مسؤول تجاري في الاتحاد الأوروبي، أن اللجنة الأوروبية تحاول إحداث فجوة بين مختلف بلدان المجموعة الآندية. وتساءل مشيرا إلى التوترات السياسية بين الحكومة الكولومبية، التي تنتهج نهجا أقرب إلى الليبرالية الجديدة في السياسة الاقتصادية، والإدارات التي تميل أكثر إلى الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، “هل هذا خطأ اللجنة؟ فعلينا أن نقوم بخيارات ونمضي قدما”.

اقتراح الاتحاد الأوروبي لآسيا

إن الاقتراحات التي أعدتها اللجنة الأوروبية لمفاوضاتها مع الهند ورابطة أمم جنوب شرق آسيا التي تضم عشرة بلدان، تتضمن أحكاما بشأن البيانات الحصرية تماثل الأحكام الموصى بها بالنسبة لكل من بيرو وكولومبيا. ولكن في حالة الرابطة، لم يتم بعد تحديد طول فترة الحصرية التي ترغب فيها اللجنة. وتتاح نسخة من اقتراح الاتحاد الأوروبي هنا.

وأنذرت السيدة ألكسندرا هومبير، من المنظمة الإنسانية “أطباء بلا حدود”، بأن أي خطوة نحو فرض قيود على استخدام الأدوية غير المسجلة قد تكون على حساب الأشخاص الذي يحتاجون إلى مضادات الفيروسات العكسية، وهي الدواء الرئيسي المستخدم لمعالجة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب/الإيدز.

وأضافت السيدة هومبير أن الأطباء اضطروا إلى توصيف أنواع جديدة من الأدوية تعرف باسم علاجات “الخط الثاني”، إذ من المعروف أن أجسام المرضى تقاوم تدريجيا مضادات الفيروسات العكسية العادية. وفي تايلند، قد تكون هذه الأنواع الجديدة أغلى بمقدار 22 مرة من أكثر أنواع مضادات الفيروسات العكسية المستخدمة شيوعا.

وقالت السيدة هومبير “إن البلدان متوسطة الدخل مثل تايلند أصبحت أسيرة بين قيدين: فهي تخضع لضغط شديد من قبل الشركات المنتجة للمستحضرات الصيدلانية التي تدعمها حكومة الولايات المتحدة لزيادة حماية الملكية الفكرية لأنها تتمتع بقدرة تصنيعية”.

واستطردت السيدة هومبير تقول “في نفس الوقت، تعتبر هذه البلدان أسواقا ناشئة تضم نخبا تمثل أسواقا مربحة ومستبعَدة من السياسات السعرية التفاضلية التي تحظى بها البلدان الأقل نموا. غير أن الواقع هو أن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب/الإيدز مرض يصيب الفقراء أساسا. ولا تستطيع الصحة العامة في هذه البلدان دفع الأسعار التي تطالب بها الشركات المنتجة للمستحضرات الصيدلانية”.
ولم يردَّ الاتحاد الأوروبي لرابطات صانعي المستحضرات الصيدلانية، وهو مجموعة تضم الشركات المصنعة للعقاقير التي تحمل أسماء تجارية، على طلب الإدلاء بتعليق على هذا الموضوع.

[مستجدات: مركز (South Centre) وجه تحذيرا إلى البلدان الأفريقية بأن الخسائر التي قد تتكبدها إذا وقعت اتفاقات شراكة اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي أكثر من المكاسب التي قد تجنيها من التوصيات المقترحة للمحادثات. وبالإضافة إلى ذلك، أفاد مركز القانون التجاري لجنوب أفريقيا Trade Law Centre for South Africa reported بأن من المنتظر أن تصل مفوضة التجارة للاتحاد الأوروبي، السيدة كاثرين آشتون، إلى بوتسوانا هذا الأسبوع لإجراءات محادثات تجارية].

Creative Commons License"لأحكام التجارية القوية للاتحاد الأوروبي حول الملكية الفكرية تعتبر تهديدا على نفاذ البلدان الفقيرة إلى الأدوية" by Intellectual Property Watch is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 4.0 International License.

Leave a Reply